هوى الشام

ماذا لو اعترفتُ لكِ أنَّ ذاكرتي عاجزةٌ عن تذكّرِ ميلادٍ سوى ميلادِكِ، وأنَّ الأعيادَ من أصغرِها إلى أكبرِها لا تثيرُ أدنى فرحٍ أو اهتمامٍ داخلي، وكأنني أختزنُ فرحَ وإحساسَ أعياد سنةٍ بأكملِها لأشعلَ شمعةً من فتيلِ روحي في ذكرى يومِ بعثِكِ إلينا.

وماذا لو اعترفتُ لكِ أنَّ صوتَكِ مازالَ المرآةَ الوحيدةَ التي تتمرأى أمامَها روحي ليقينِها أنَّ اللهَ حينَ لقّنَ آدمَ الأسماءَ عجزَت لغتُهُ عن تحديدِكِ باسمٍ، فكنتِ الوارثَ الوحيدَ للجمالِ اللا محدودِ، والملاذَ الأوحدَ لكلِّ روحٍ تريدُ أن تبصرَ بثقةٍ كلَّ أعطابِها خارجَ حدودِ اللهِ الصارمة!

عبثاً حاولتُ أن أكبرَ وأستيقظَ من وهمِ أنني كنتُ ريما التي غنيّتِ لها لتقنعيها أنَّ في هذهِ الحياةِ ما يستحقُّ المغامرةَ والقدومَ إليها، لأقتنعَ مع كلِّ توبةٍ فاشلةٍ أنَّ روحاً عجنَها صوتُكِ محالٌ أن تكبرَ أو تغادرَ فردوسَ الحلمِ الذي كنتِ الحارسَ الدائمَ لهُ من سهامِ الواقعِ، وأنَّك زادي الذي لا ينضبُ في رحلةِ البحثِ عن فسحةِ وجودٍ تليقُ بتمرّدي ورهانِنا المشترك بأنَّ على هذه الأرضِ ما يستحقُّ الأملَ.

بكلِّ ما أوتيتُ من حبٍّ وأملٍ، أخلعُ كلَّ أثقالِ الذاكرةِ والحاضر حتى تغدو روحي من الخفّةِ ما يمكّنها من التوضّؤِ بعبقِ ياسمينِ دمشقكِ ودخولِ محرابِكِ بلهفةٍ لن يفهمَها أحدٌ سواكِ، أعودُ كما في كلِّ عيدٍ تلكَ الطفلةَ التي تفترشُ حضنَ والدها بعد عودتِهِ من الأرضِ وهي تتنشّقُ رائحةَ العرقِ والترابِ في كفّهِ التي تداعبُ وجهها سائلةً إيّاهُ قصّةً جميلةً، فيكتفي بابتسامةٍ ستبقى تذكرُها مع الزمنِ كلّما جفّتْ الابتسامةُ على شفتيها.

أصلّي لكِ وأنا التي لا تعرفَ إلا الصلاةَ حبّاً : مدينةٌ لكِ بحياةٍ بأكملِها، بقلبٍ كنت وستبقين الشريانَ الذي يمدّه بنسغِ الفرحِ والأملِ، بوطنٍ كلّما أوجعني التجأتُ إلى دندناتكِ لأتناسى وجعَهُ، بغدٍ أتّكئُ على نغماتِكِ وأنا أسيرُ إليه واثقةً من أنني كلما تعثّرتُ هناكَ ملاذٌ أستطيعُ الهروبَ إليهِ لأرمّمَ روحي وأتابعَ المسيرَ وأنا أهمسُ للهِ : فيــــروز ..أشهدُ أن لا أوكسجينَ سواكِ